المقريزي

480

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

السّلطان رجلا من أراذل العامّة يتحدّث في مواريث اليهود والنّصارى ليحصل له منهم مالا كبيرا ، فأفحش فيهم وأخرق بكبارهم حتى أنّه يوم عيد الفطر لم يكد يوجد فيه مسرور ، بل شمل الحزن والضّيق والضّرر جميع النّاس بالقاهرة ومصر وما بينهما من كثرة الأموات والمرضى ، وتعطّلت الأسواق جملة إلا من شراء الأكفان ، وما لا بدّ للموتى منه . وعسف متولي الحسبة ومنع السّؤال في الطّرقات ، وذلك أنّ السّلطان فرّق مالا يسيرا فتكاثر الفقراء على متولي تفرقة ذلك حتى ألقوه عن فرسه ، فحنق السّلطان ورسم ألا يستعطي إلا الزّمنى وأرباب العاهات فقط ، وأنّ من سأل سوى هؤلاء استعمل في الحفير ، فامتنعوا من سؤال النّاس في الطّرقات . ومن عجلته في العافية من المرض وحرصه على الحياة وسّط طبيبيه ، فإنّه لما رأى مرضه يتزايد وقواه تنقض ظنّ أنّ ذلك من تقصير الأطباء وسوء معالجتهم ، فأمر بالعفيف رئيس الأطباء وبزين الدين خضر فوسّطا ، ولم يقبل فيهما شفاعة أحد . ومن حينئذ تزايد البلاء ، فعهد إلى ولده من بعده ، وأنفق فيمن من بقي من المماليك بعد ما مات منهم نحو الألف مملوك ، ومات من الدّور السّلطانية زيادة على مائة وستين جارية ، ومات مائة وستون طواشي ، وسبع عشرة حظيّة من حظايا السّلطان ، وسبعة عشر ولدا بحيث لم يتأخر له من الأولاد سوى الملك العزيز يوسف وليّ عهده ، وابنة صغيرة فقط . وأقام زيادة على عشرين يوما وهو ينازع بعد ما حصل له ماليخوليا كثر منها هذره وهذيانه ، فمن لطف اللّه بعباده أنّه كان يغيب زمانا ، فلا يعقل ثم يرجع إليه حسّه قليلا فيهذي ، ثم يغيب حتى مات ولم يعتق أحدا ولا تصدّق بمال إلا في أوائل مرضه ، فإنه فرّق نزرا يسيرا ، ولا أبطل مظلمة ولا أمر بمعروف ، بل كان أسوأ الناس سريرة لما اشتمل عليه من معاداة رعيّته وإظهار بغضهم والإعلان بمقتهم ، فيضع من الأشراف ويهينهم ويوقفهم بين يديه ، ولم تجر بذلك عادة ، بل كانت الملوك من قبله إذا حضر مجلس أحدهم شريف أجلس